ابن الجوزي
30
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
يا معشر الحواريين ، لا [ 1 ] تضعوا البعوض عن شرابكم وسرطون الفيلة [ 2 ] ، لا تنظروا / في ذنوب الناس كالأرباب وانظروا في ذنوبكم كالعبيد ، ما الناس إلا كرجلين : مبتلى ومعافى ، فارحموا صاحب البلاء ، واحمدوا الله على العافية [ 3 ] . يا بني إسرائيل ، كونوا حكماء علماء ، لا تضعوا الحكمة إلا عند أهلها ولا تكتموها أهلها ، فإنكم إن تكلمتم بالحكمة عند غير أهلها جهلتم ، وإن منعتموها أهلها فقد ظلمتموها وضيعتموها ، فكونوا كالطبيب العالم الَّذي يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع ، أعفوا عن الناس يعف الله عز وجل عنكم . يا بني إسرائيل ، ما يغني عن البيت المظلم السراج على ظهره وباطنه مظلم ، تخرجون الحكمة إلى الناس وتمسكون الغل في صدوركم . لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق ويمسك النخالة ، كذلك الحكمة تخرج من أفواهكم وتبقي الغل في صدوركم . إن الَّذي يخوض الماء لا بدّ أن يصيب ثوبه الماء ، وكذلك من يحب الدنيا لا ينجو من الخطايا . طوبى للمجتهدين بالليل ورعوا في مساجدهم العمل وسقوا زرعهم من دموع أعينهم حتى نبت وأدرك الحصاد ليوم فقرهم ، فوجدوا عاقبة ذلك عند ربهم ، ومن يكن زرعه المرّ لا يحصد حلوا . يا عبد الدنيا ، ما أكثر الشجر وليس كله يثمر ، وما أكثر العلماء وليس كلهم يعمل ، إن الدابة ما لم ترض تستصعب [ 4 ] . يا عبيد الدنيا ، إنكم لا تدركون ما تأملون إلَّا بالصبر على ما تكرهون ، ولا تبلغون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون ، كنتم أمواتا فأحياكم ، وحين أحياكم متم ، وحين كنتم . ضلَّالا هداكم ، وحين اهتديتم ضللتم . إن الزانية إذا حملت يفضحها حملها ، وكذلك يفتضح بالعمل من كان يغرّ [ 5 ] الناس بالقول الحسن ويقول ما لا يفعل .
--> [ 1 ] « لا » سقطت من ت . [ 2 ] هكذا وردت في الأصل ، ولم أدر ما هي . [ 3 ] البداية والنهاية 2 / 89 . [ 4 ] في الأصل : « استصعب » . [ 5 ] في الأصل : « يغير » .